كركدن، مجلة ثقافية ، سياسية، ناقدة ، مستقلة // للاتصال بنا عبر : karkadan.info@gmail.com

بين قرآن الله وشريعة الفقهاء والمشروع الجهادي؟

اختزلت قناة الجزيرة على موقعها وفاة المفكر التونسي الكبير محمد الطالبي بعنوان وضيع: “الطالبي.. مفكر أباح الخمر والبغاء وطالب بإلغاء الشريعة”.. وكذلك فعلت كل المنابر الإخوانية والسلفية التي شكل لها هذا المفكر الأعزل أرقا دائما.. فصدرت بحقه ثلاث فتاوى تكفير وقتل، ومنعت حكومة الترويكا الترخيص لجمعيته “الجمعية الدولية للمسلمين القرآنيين”. ولم تشفع له مشاركته المرزوقي وبن جعفر في المجلس الوطني للحريات في أن يتدخلا من أجل الترخيص لجمعية ضاقت عيون “النهضة” بها. 

يعتقد المفكر محمد الطالبي أن الإسلام لم يرخص بالعنف إلا في حالة الرد والدفاع عن النفس.

 “ولد الإسلام علمانيا، بدليل أن القرآن هو الكتاب المقدس الوحيد الذي يعلن صراحة «لا إكراه في الدين»، بينما الشريعة، ذلك الركام من التعليقات على حواشي الإسلام، التي أنتجت خلال القرن الثاني الهجري، فما هي إلا «قانون أسس لفائدة الطغاة الراغبين قبل كل شيء في التحكم والقتل بشكل قانوني».”

رفض الطالبي خطاب التجميل والتبرير للحركات الإسلامية السياسية الأصولية، وقال بوضوح: “لا أؤمن إلا بالقرآن، وليس بالشريعة، ولا آخذ من الحديث إلا ما توافق مع القرآن. الشريعة عمل بشري، ويجب مكافحتها بالنقد وتجديد الفكر والمطالبة بحقوق الإنسان والعلمانية… لقد ولد الإسلام علمانيا. “لا إكراه في الدين”، القرآن هو الكتاب المقدس الوحيد، الذي يقول هذه الجملة الواضحة جدا، والعلمانية جدا، حيث يمارس كل واحد الدين الذي يريد، وليس من حق الدولة التدخل في الشؤون الدينية. لها وظيفة واحدة هي خلق مناخ السلم للجميع. الردة غير موجودة في القرآن، شأنها شأن الرجم. بل ابتكرتها الشريعة لتسمح للطغاة بالقتل والسحل. في زمن الخلفاء، كان بإمكان المرء أن يكون ما شاء، شرط ألا يتمرد على الخليفة. لكن ابتداء من زمن التمرد، يمكن أن نجد لك أي ذريعة لقتلك”.

في الذكرى الثانية لوفاة فقيد الفكر الإنساني الكبير، نستعيد رسالتين له، واحدة إلى منصف المرزوقي، الذي نعترف له بفضل توقّع مصيره البائس عندما كتب:  “من يدري، ربما يفهم الطامحون لدور المنقذ(على الأقلّ أذكاهم وأقلّهم مرضا)،  أنهم مجرد قرابين للنحر بعد تخديرهم بمخدّر السلطة….أنّهم  مبرمجون للذبح  في خدمة قضية مخسورة مسبقا”.  

رسالة مفتوحة إلى سيدي رئيس الجمهورية

سيدي،

 لقد عرفتكم رئيسا لجمعية تناضل من أجل حرية التفكير والتعبير في تسني، وكنت إلى جانبكم. واليوم دولتكم  تمنعني من أبسط حرية التعبير، كما كان شأني أيام بن علي. فما الذي تغير؟ دولتكم سمحت بتكوين آلاف الجمعيات، ومنها جمعيات حماية الثورة، التي ارتكبت ما لا يكاد يُحصى من الجرائم، ومنها ماهو باسم الدين، وإن لم يكن صراحة. ودولتكم تمنعني من  تكوين جمعية هذا اسمها وأهدافها:

 الجمعية الدولية للمسلمين القرآنيين:

الفصل 3:  أهداف الجمعية ونشاطها: الجمعية تعمل من أجل تجديد الفكر الإسلامي وتحقيق الحداثة والعقلانية والتقدم إلى الأمام، وذلك في اعتقادنا يتفق مع كتاب الله.

وتقاوم السلفية التي تدعو إلى العنف والتأخر إلى الوراء وذلك بالمكافحة الفكرية السلمية.

– الجمعية ملتزمة بكتاب الله دون غيره.

– الجمعية عقلانية، لأن كتاب الله لا يخالف العقل بل يشيد به ويمجده ويدعو باستمرار إلى التفكير والتدبر، فنحن نقرأ كتاب الله قراءة عقلانية حداثية مقاصدية محينة(actualisée)، سهمية، متجهة دائما في اتجاه السهم (vecteur)، الموجه بهداية الله. “وعلى الله قصد السبيل”، وقّانا الله جائرها.

–  الجمعية ملتزمة بما اتفق من سنة رسول الله مع القرآن.

 – الجمعية غير ملتزمة بالشريعة، وتعمل من أجل إلغائها كعمل بشري غير ملزم نشأ في القرن الثالث هجري.

 – الجمعية علمانية، تعمل من أجل الفصل بين الدين والدولة، فلا دخل للدولة في شؤون المواطنين الدينية.

– الجمعية تعمل من أجل نشر ثقافة حقوق الإنسان، والقيم الإنسانية العالمية، ومقاومة العنف بكل أصنافه مهما كان مأتاه، والدفاع عن الحريات الأساسية كلها، والمساواة الكاملة وغير المشروطة بين الجنسين.

– الجمعية غير محدودة.

– فما تغير؟ فما قولكم؟ مع أجمل ذكرياتي، وخيبة آمالي، وسأبقى مناضلا من أجل الحريات مهما كانت التكاليف. وإليكم سيدي الرئيس، أسمى عبارات التقدير والاحترام.

“إنّ علاج الإرهاب بالسلاح ضروري على المدى القريب، وغير ناجع وكاف على المدى البعيد. فهو علاج عَوارِضي (symptomatique) يعالج عوارض المرض، كالحُمّى والألم. لكنّه لا يعالج سَبَبَ الداء.

الداء قد يَسْكُن مُدّة، ثمّ يعود. إنّي اعتبر أنّ السياسة الدينيّة الّتي تسلكها السلطة غير مرضيّة، خاطئة وخطيرة. ضميري، كمفكّر مسلم، يأباها ويرفض مساندتها. الإرهاب لا يُقاوم بالسلاح فقط. ولا يُقاوم فقط بترشيد المساجد. تُرَمِّم مسجدا اليوم. لكن غَدا يَنْجُم فيه سَلفيّا داعية، يُقَوّض في لحظات ما رَمّمْتَ في ساعات. لا علاج للإرهاب سوى العلاج الأسْبابي (étiologique). وهذا ما حاولته، وأخفقت، يوم كنت عِضْوا في المجلس الإسلامي الأعلى، بأمر من الرئيس السابق، لا شكّ عن خَطَإ ! وهذه نُـبْذة من رسالتي إلى رئيس هذا المجلس سنة 1999، والحمد لله إذا ما كنت أصبت، في مقالي هذا، واستغفره وأسأله العفو إذا ما كنت أخطأت.

السيّد عبد المجيد بن حمدة
رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، وفّقه الله.
)مع رجاء توزيع الرسالة على كافّة أعضاء المجلس(

وبعد،
فإنّي أشكر لسيادتكم المكالمة الهاتفيّة، بتاريخ يوم السبت صباحا، الأوّل من جمادى الثانية 1420 (11 – 9 – 1999)، وأجد فيها شرفا لي، وحرصا من سيادتكم على حثّ كلّ أعضاء المجلس الإسلامي الأعلى للقيام بواجبهم نحو ما يمليه عليهم ضميرهم، قياما بالشهادة الّتي فرضها الله علينا.

ولم يكن انقطاعي عن حضور الجلسات تَهرّبا من هذه الشهادة، وإنّما عملا بها، عندما لم أنجح في إقناع مجلسكم الموقّر بما ورد في رسالتي بتاريخ 28 اكتوبر 1996. فرأيت عندها القيام بالشهادة بالصمت، كي لا يكون حضوري تمويها، أصبح ضميري يأباه، عندما حَصُل لي الاقتناع، بعد حضور عديد الجلسات بدون فائدة، إنّما المجلس يراد منه التمويه.

ذلك لأنّه لا حاجة إلى تجنيد ثلّة واسعة من أهمّ العلماء المسلمين، الّذين بالنسبة للجمهور يمثّلّون الضمير الإسلامي ببلادنا، لنشر مجلّة الهداية. فزميلي جُمعة شِيخة ينشر منذ سنوات، بجهوده الخاصّة، وزيادة على عمله الجامعي، وبدون إعانة لا ماليّة ولا إداريّة، مجلّة «الدراسات الأندلسيّة.» وكذلك زميلي جعفر ماجد ينشر «رحاب المعرفة.» زِدْ إلى ذلك أنّ مجلّة «الهداية» لا تصل إلى مَن هم في حاجة إليها. فما الفائدة منها ؟ فائدتها التمويه والتضليل. فائدتها أن يُقال، لمَن تقصِد السلطة تأليف قلوبهم من البلاد الإسلاميّة : تونس ترعى الإسلام، لها مجلس إسلامي أعلى يقوم بهذه الوظيفة، ويصدر مجلّة. وقد تتغيّر اللهجة، عندما يوجّه الخطاب إلى الغرب وإلى المستغربين، فيقال لهم : إنّ تونس تقاوم التطرّف الديني، وتدعم الحداثة. إنّي لا أريد أن أسهم في هذه اللعبة. وهذا سبب انقطاعي عن حضور جلساتكم، حتّى لا أعكّر صفو هذه الجلسات، وقد كفى ما عكّرتها من قبلُ. فوجدت نفسي بينكم في عُزلة، لا أفيد شيئا، واسْتَغَلّ للتمويه.

سيّدي،

بعد مكالمتكم الهاتفيّة، شعرت بأنّه من واجبي مراسلتكم حتّى أشرح موقفي، كي يكون واضحا لديكم، وواضحا بالنسبة لكلّ أعضاء مجلسكم الموقّر. إنّي احترم احتراما كاملا آراءكم، واحترم مواقفكم، وأدواركم، وانشطتكم الّتي تجدون فيها راحة قلوبكم، ورضاء ضمائركم. « وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى، وأنّ سعيه سوف يرى «(النجم، 53 : 39 – 40 ) ؛ و«كلّ نفس بما كسبت رهينة» (المدثّر 73: 38).

أنا رهين بنفسي، ومستعدّ لتحمّل كلّ ما ينجرّ عن ذلك. وإذا ما انقطعت عن جلساتكم، فذلك تجنُّبا للاستفزاز، ولمناقشات لا طائل وراءها، ولجرّكم في متاهات لا ترغبون فيها، لما قد تجلب من أذى لمن تاه فيها. أنا، عندما دخلت هذه المتاهات، مع مجموعة من المثقّفين الّذين يرون رأيي وأرى رأيهم، كنت رهين نفسي، ولا أريد أن أجلب الأذى والبلاء لغيري. تجدون، في رسالة عن طريق البريد، دراسة بعنوان «حريّة التعبير ومسؤوليّة المثقّف المسلم»، ما يشرح موقفي. هذه الرسالة نُشرت، مع بعض الحذف، في جريدة «الحياة»، وجرّت لي بعض المتاعب. وذلك لن يثني أبدا عزمي عن المتابعة، مهما كانت التضحيّات، وذلك عملا بوحي ضميري، وعملا بقوله تعالى : «لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا» (البقرة، 2 : 143)، ولو أدّى ذلك إلى الشهادة، لأنّي اعتبر التقيّة في شأني لا تجزي: يجب على المثقّف أن يشهد، وأن يتحمّل تبعات الثقافة، كلّ على قدره. فانقطاعي عن حضور اجتماعاتكم هذا شرحه.

غير أنّه، حيث الححتم على دعوتي مرارا، أرى من واجبي أن ألفت انتباهكم إلى القيام على الأقلّ بالقدر الأدنى (في نظري طبعا، وكما يقال لكم سديد النظر) من الواجبات الّتي يوجبها علينا الانتماء إلى مجلس يوصف «بالإسلامي»، ويوصف «بالأعلى.» وهذا أضعف الإيمان :
هل المجلس الإسلامي الأعلى مستعدّ لإعلان إلغاء حكم الردّة ؟

هل هوّ مستعدّ لمخالفة مالك، إمام دار الهجرة، الّذي مذهبه هوّ مذهب فقهائنا، والّذي يُروى عنه ما نصّه، رواية سَحنون القيرواني عن ابن القاسم المصري :

»قلت : أرأيت قتال الخوارج ؟ ما قول مالك فيهم ؟- قال، قال مالك في الإباضيّة والحَروريّة، وأهل الأهواء كلّهم : «أرى أن يُستتابوا، فإن تابوا، وإلاّ قتلوا«.

فهل فرض علينا أن نطبّق قول مالك، ونحن مالكيون، وأن نقتل «الإباضيّة والحَروريّة، وأهل الأهواء كلّهم»، ومالك يؤكّد «كلّهم» ؟ فكم يبقى اليوم من مسلم يطأ الأرض بقدميه إذا ما نحن طبّقنا الشريعة الّتي يدعو خطباء المساجد بالعودة إليها ؟ خاصّة إذا ما نحن قتلنا «أهل الأهواء كلّهم !» فليس من مسلم على وجه الأرض قديما وحديثا، إلاّ وهو في نظر فقيه من الفقهاء من أهل الأهواء، يجب كفرض عَيْن على السلطة قتله. وإذا لم تقم السلطة بهذا الفرضِ، يصبح هذا الفرضُ فرضَ كِفايَة على كلّ المسلمين، يقوم به جَبْرا كلّ مسلم يستطيع ذلك، وإن قُتِل يموت شَهيدا يُزوّجه الله «بِحُور عِينً» (الدخان، 44 : 54) يَجدهنّ في استقباله فَوْرَ قتله. فهل من ترغيب أكبر من هذا للقيام بما نسمّيه إرهابا، وتسمّيه الشريعة قِياما بفرض الكِفاية وجهادا، إذا ما أصبحت تونس بلدا إسلاميا تُقام به الشريعة على مذهب مالك !

ولنتذكّر شيئا من تاريخنا عندما كانت الشريعة تطبّق فيه : في بلادنا قتل الشيعةُ السنّة، والعكس بالعكس، تكفيرا بعضهم لبعض ؛ وبالمغرب قتل المُوَحِّدون المُرابطين، لأنّهم أقرب الكفّار إليهم، وجهادهم أولى وأوكد. فاستحلّوا دماءهم، وسبوا نساءهم، واغتصبوا أرزاقهم. وفي الجزيرة العربيّة، سلك نفس الطريقة في تطبيق الشريعة، محمّد بن عبد الوهّاب. وكتب إلينا مهدّدا بالسيف ما لم نتب عن كفرنا، وننقلب إلى مذهبه الوهّابي، الّذي سُمّيت به الدولة الّتي أقامها، قبل أن تـُـسمّى بالسعوديّة. وفي أفغانستان يقتل المسلمون بعضُهم بعضا، من أجل إقامة دولة إسلامية بها تطبّق الشريعة، وكلّ متطرّف من الفريقين المتصارعين، يجد مَن هوّ أكثر تطرّفا منه، في مُزايدة تزيد القتل اتّساعا وانتشارا.

أعيد السؤال.بعد اعتبار ما سبق، وهوّ قُلٌّ من كُثر، هل المجلس الإسلامي الأعلى، وهوّ أعلى مُؤسّسة دينيّة في البلاد، مُستعدّ، بصراحة ودون لبس، أن يُعلن إلغاء حكم التكفير والردّة؟ هل هو مُستعِدّ لاعتبار هذا الحكم مُنافيا لكلام الله، ومنافيا «للحنيفيّة السمحاء» كما يزعم العلماء، وأنّ الإسلام دين التسامح حقّا بلا تزييف وتمويه، يحترم كلّ الضمائر على اختلاف اقتناعاتها، يدخل فيه مَن يشاء اختيارا بدون إكراه، ويخرج منه مَن يشاء، اختيارا بدون إرهاب وبدون اعتراض عليه، يحترم كلّ الاختيارات والآراء والتأويلات والأبحاث، لا يهدّد أحدا من أجل أفكاره، ولا يتعرّض له بسوء، ويحترم كلّ الناس في مَلبسهم، ومَأكلهم ومَشربهم، لا يُملي على أحد أخلاقيته قهرا، ولا يفرض على أحد أسلوب حياته ؟

الإسلام دين الحريّة. قبلَ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بخمسة عشر قرنا، أعلن حقّ الإنسان في الحريّة والكرامة من حيث هوّ إنسان، بحكم فِطرته الّتي فطره الله عليها وميّزه بها. فهو حرّ في اعتقاده وتغيير اعتقاده استجابة لضميره. وهوّ حرّ في تصرّفاته ما دام لا يؤذي أحدا. وهوّ مسؤول عن نفسه أمام ضميره فقط، إن كان من غير المعتقدين. ومسؤول عن نفسه أمام ضميره وأمام خالقه، إن كان من المعتقدين. لا يُغني أحد عن أحد شيئا. والفقيه يكفيه همّه بنفسه، يُبيّن رأيه، وهذا من واجبه، كي لا يكتم ما تفضّل به الله عليه من العلم. لكن لا يفرض رأيه على أحد، بأيّ حال من الأحوال. لا يكفّر أحدا من أهل القبلة، لأيّ رأي يراه، مهما كان هذا الرأي مخالفا لرأيه وبعيدا عليه. التواضع واحترام الغير، هما قاعدة الحوار. وبذلك أمرنا الله في آيات عديدة

مُحكمة لا تشابه فيها، ولا تحتاج إلى تأويل. ومنها :

– كلّ امرئ بما كسب رهين (الطور، 52 : 21)

– كلّ نفس بما كسبت رهينة (المدثر، 74 : 38)

– ولقد جئتمونا فرادى، كما خلقناكم أوّل مرّة (الأنعام، 6 : 94)

– إنّ كلّ مَن في السموات والأرض إلاّ أتى الرحمان عبدا*لقد أحصاهم وعدّهم عدّا*وكلّهم آتيه يوم القيامة فردا (مريم، 19: 93 -95)

5 – يوم لا يغني مولىً عن مولىً شيئا، ولا هم يُنصرون*إلاّ مَن رحم الله، إنّه هو العزيز الرحيم (الدخان، 44 : 42 -43)

6 – يوم يفرّ المرء من أخيه*ومن أمّه وأبيه*وصاحبته وبنيه* لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (عبس، 80 : 34 -37)

ولا حاجة إلى الإطالة. أفلا يكفي أمر الله إلى رسوله، في آية مكّيّة رقم نزولها 66، نزلت قبل الهجرة، تقريبا خمس سنوات بعد بداية النزول. « قُلْ : ما كنتُ بِدْعا من الرسل. وما أدري ما يُفعلُ بي ولا بكم.» (الأحقاف، 46 : 9). فإذا كان النبيّ ما يدري ما يُفعل به، فما بالك بالفقيه، الّذي يزعم تجرّؤا على الله، أنّه هوّ يدري ما يفعل به وببقيّة البشر، فيكفّر، ويُلقي مَن كفّره في النار، ويعتدي عليه بشتّى أنواع الآعتداء حتّى القتل ! فهل من جريمة أبشع وأعظم في حقّ الله وحقّ العباد؟ ولم يُطمئن الله رسوله على مصيره، وذلك عن طريق الأمل لا القطع الثابت، إلاّ بعد الهجرة، في آية وردت في سورة مكيّة، الإسراء (رقمها في ترتيب النزول 50)، لكنّ الآية المقصودة نزلت في المدينة، حيث الله يقول له : «عَسَى أن يبعثك ربّك مقاما محمودا.» و«عَسَى» فِعْل جامد من أخوات كاد، يفيد الترجّي، لا البتّ. ولم يأت بصورة قطعيّة وعد الله لرسوله بحسن المعاد، إلاّ بعد صلح الحُديبيّة قُبيل فتح مكُة سنة 8، أيّ قبل انتهاء مهمّته بسنتين وانتقاله إلى جوار الرفيق الأعلى. وذلك في أوّل سورة الفتح :

»إنّا فتحنا لك فتحا مبينا*ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر. ويتمّ نعمته عليك، ويهديَك صراطا مستقيما*وينصُرَك نصرا عزيزا. «

فليعتبر بهذا علماؤنا، الّذين اتّخذوا من أنفسهم أوصياء على الله، يكفّرون ويعتدون، وبذلك يجعلون كلّ حوار حرّ بين أهل القبلة مستحيلا. وإن كان الرسول يُذنب، والله يغفر، فمَن المعصوم ؟ « وخُلِق الإنسان ضعيفا»(النساء، 4 : 28). كلّنا ضعفاء! فما يُجدي العُنف؟ أليسا الأفضل أن نتحاور، ولا حوار بدون إلغاء حكم التكفير والردّة إلغاء واضحا لا لُبس فيه، حتّى يطمئنّ كلّ محاور على حياته وعلى جسده ومكاسبه، مهما كانت أقواله في الدين، وأفعاله في حياته الفرديّة ما لم يُدخل الأذى على غيره، وإلى ذلك ندعو.
« ولا تَزِر وازرة وزر أخرى.» يجب أن نفوّض الأمر إلى الله في شأن اختلافاتنا كلّها، « وإلى الله عاقبة الأمور» (لقمان، 31 : 22).

وفي هذه الدنيا، يجب أن نتعايش تعايش الأخُوّة، مهما كانت الهُوّة الّتي تفرّق بيننا. وفي ذلك ينبغي صدق السريرة والباطن. وهنا يكمن المشكل: فهل ذلك متوفّر ؟ فإن لاّ، يصبح التسامح من باب الخديعة في الحرب. فإذا ما تمكنّ السلفيون، الّذين يريدون في سريرتهم إقامة دولة إسلاميّة فيها يطبّقون أحكام الشريعة، من الارتقاء إلى الحكم، قلبوا بدون شكّ الرداء، واظهروا حقيقتهم، وقتلوا الحريّات كلّها، وأقاموا الإرهاب طريقةً في الحكم، وساقوا الناس كالحمير بالهراوات إلى المساجد، كأنّ الصلاة قهرا وبدون صادق نيّة تُجزي ! وسجنوا النساء في البيوت، وفرضوا عليهنّ الحجاب، وهلمّ جرّا. إنّه، ما دام الفِـئْران، يشكّون في توبة القِطّ، لا يأتمنون إليه، ويتابعون الحذر. الحقيقة هيّ أنّ السلفيين لا يِؤمنون بالديمقراطيّة كقيمة أخلاقيّة وسياسيّة ثابتة. وإنّما يريدون ركوبها كمطيّة للارتقاء إلى السلطة، فإذا ما بلغوا هدفهم، لَوَوا عُنقها. وهذا ما نخشاه.

لقد أصبح الشيخ راشد الغنّوشي، في منفاه بالغرب، زعيما للديمقراطيّة. ونحن اليوم نميل إلى تصديقه. ونحن اليوم في حاجة إلى حزب إسلامي ديمقراطي حَداثي حقّا بلا انتهازيّة، لأنّ الإسلام مُهدّد، تهدّده المسيحيّة الّتي ينقلب إليها المسلمون أفواجا مُغْتَرّين بأنها دين المحبّة والحداثة. وتُهَدِّده الاعتقادات الماديّة (matérialistes)، الّتي تُغْري المثقّفين خاصّة. وعُلَماؤنا أقرب إلى جهل منهم إلى العلم. غير أنّنا لا نَنْسى مواقف الشيخ راشد الغنّوشي عندما كان يتزعّم حركة النهضة في تونس.

فهل تاب، أم هل هي توبة القطّ ؟ يا ليته، عندما عاد إلى تونس، عِوَضَ أن يجلب إلى بلادنا بليّة الدُعاة، تزعّم الديمقراطيّة بكلّ قِيَمها الإنسانيّة من احترام الحريّات كلّها، واحترام حقوق الإنسان، وفي مقدّمتها حقوق المرأة في المساواة مع الرجل والكرامة الكاملة. إنّ توبة القطّ، لا يصدّقه فيها الفِئران، فِئران النساء على الخصوص، وقد تعلّمنا، بالتجربة القاسيّة والمُرّة، الحذر. والغريب هوّ أنّ الغرب يصدّقه في دعواه، ويعقد لآرائه الفصول في المجلاّت والدراسات العلميّة، ويعتبره من أنصار الديمقراطيّة . ومع ذلك فإنّ راشد الغنّوشي لا يُخْفي أنّ الديمقراطيّة ليست غاية في ذاتها بالنسبة للاتجّاه الإسلامي، وإنّما هي خطوة مرحليّة في طريق إنشاء دولة إسلاميّة فيها تطبّق الشريعة. وهناك يكمن الإبهام. زِدْ : أيّ شريعة ؟ هل هي الشريعة المعتمدة في السعوديّة، أو في أفغانستان، الخ. وهل بمجرّد ما تحين الفرصة تُـفْرَض هذه الشريعة الّتي تنفّذ حكم التكفير والردّة، وتُغَذّي هكذا الإرهاب، وتجعل من المرأة «ملكة المنزل»، لا تغادر ملكها، ولا تتجاوز عتبته إلاّ بإذن زوجها، وارتداء الحجاب ؟

 الإمضاء: محمد الطالبي

Related posts