كركدن، مجلة ثقافية ، سياسية، ناقدة ، مستقلة // للاتصال بنا عبر : karkadan.info@gmail.com

أين الخطأ

قلما التفت مؤرخو الفكر العربي المعاصر إلى العلامة الشيخ عبد الله العلايلي الذي حورب واضطهد وسُحبت كتبه من الأسواق. وبرهنت التجربة المرة، أي تجارب الجماعات الإسلامية بفرقها المختلفة، أن أفكار هؤلاء تقلبت كثيراً نحو اليسار واليمين، و”تشقلبت” صعوداً وهبوطاً، وخسرت في مجرى التحولات الصاخبة التي شهدها القرن العشرون بريقها وقوتها البرهانية ومشروعيتها التاريخية، ولم تتمكن من ابتداع أي جديد على المستوى الفقهي أو الفكري أو السياسي.

في المرات القليلة التي تمكنت من ابتداع جديد في هذا النطاق، كان ذلك يتشاكل بقوة مع التكفير، ويتدالك مع الإرهاب، أويتداخل ويتخارج مع الوقائع الكئيبة والمروّعة والدموية التي حفل بها التاريخ العربي تبريراً وتفسيراً. ومن الأقاويل السارية في الأفواه والشفاه والمسطورة في الكتب أن حركات الإسلام السياسي التي ظهرت في القرن التاسع عشر، وفي أوائل القرن العشرين، هي حركات إحيائية وإصلاحية. والحقيقة أن كلمتي “الإحياء” و”الإصلاح” لا تطابقان محتوى تلك الحركات وغاياتها. فتلك الحركات التي ظهرت في مصر والشام وافريقيا وصحاري نجد ظهرت كردة فعل على الليبرالية التي راحت تزدهر في ربوع مصر والشام منذ أواخر القرن التاسع عشر فصاعداً.

اقتصر الجديد لدى تلك الحركات على التحليل والترخيص والتسهيل في مصر والشام، وعلى المنع والتكفير والبت والقطع في نجد وليبيا والسودان وما جاورها. فمحمد بن عبد الوهاب التميمي والسنوسيون والمهديون، علاوة على الاخوان المسلمين، يسمون أنفسهم “إصلاحيون” أو “إحيائيون”، وهم بدعوتهم إلى العودة إلى صفاء الاسلام الأولي إنما يمثلون الخوف من العصر ومجابهة الحداثة. و هؤلاء اعتبروا الحداثة لا تجربة انسانية عميقة، بل خطر على الهوية. وقليلون من رجال الدين نظروا إلى المسألة بدماغ مختلف على غرار عبد الله العلايلي الذي تندرج أفكاره في قلادة مشتركة مع أفكار فرنسيس المراش ومنصور فهمي وشبلي الشميل وعبد الرحمن الكواكبي ورفعة رفاعة الطهطاوي وطه حسين وخليل السكاكيني، وتختلف عنهم بالهيئة؛ فالعلايلي شيخ معمم، لكن تحت تلك العمامة كان ثمة دماغ حقيقي وعقل مختلف.

في هذا الميدان نعيد التذكير بالعلامة الشيخ عبد الله العلايلي كأحد أعلام الفكر النهضوي العربي، وببعض آرائه التي أثارت الدبابير من أعشاشها، وأيقظت جميع كائنات الكهوف ضده، ولعلها ألجأته إلى العزلة، فاكتفى من دهره بالنظر والتفكر وهو يراقب انحدار أحوال هذه البلاد وانحسار العقلانية وإرادة النهوض فيها.

أين الخطأ

يفتتح الشيخ عبد الله العلايلي كتابه “أين الخطأ؟” بالقول: “لنتساءل ثم لنعرف” (ص7). وهذه العبارة الحكيمة هي مفتاح المعرفة التي يصبح معها كسر الأقفال الصدئة وإزاحة المغاليق العتيقة ممكناً. غير أن واقع حال الفكر العربي يشير إلى انحسار مثل هذا التساؤل. وفي خضم هذا الانحسار يقول: “ابتلي الحقل الفقهي بمن هبطت مداركهم حتى عن حسن التناول، فكيف بالاستنباط المحض” (ص18)؛ فالفقيه، بحسب العلامة العلايلي، ليس “مَن يحفظ قال وقيل، بل مَن يستخرج ويستنبط من القيل والقال” (ص 48).

كان المجتهدون الأقدمون حريصين على عدم استخدام ألفاظ التحليل والتحريم في ما كانوا ينتهون إليه من أحكام، وإنما كانوا يقولون: ممنوع، محظور، مباح. والمعروف أن التحريم لا يكون إلا بنص، أما ما عدا ذلك فهو بمعنى المنع. غير أن الشائع اليوم هو طغيان التكفير والتحريم. ولو كان هؤلاء “الفقهاء” ممن اكتملت درايتهم وعظم اجتهادهم لهان الأمر، لكن معظمهم هبطت مداركه حتى عن حُسن التناول، فتجرأوا على المجتمع وراحوا يفتون بغير علم مستخدمين ألفاظ القطع والبت والحسم.

تصدى العلامة الشيخ عبد الله العلايلي مبكراً، وبإقدام مشهود، لهذه الذهنية التي تمكنت، لأسباب شتى، من أن تلف عقول العامة كثعبان هندي، وأن تلتف على المدارك العقلية كعمامة تركية عظيمة. وكان جريئاً في حشد كل ما يناقض هذا الضرب من التفكير، ومقتدراً في دحض أسانيده وتخريجاته. وفي مواجهة وَهَن الفكر واضطراب الأحوال، خصوصاً في الخمسين سنة الماضية، تجرأ الشيخ عبد الله العلايلي، بعلمه ودرايته ومنهجه النقدي، على هذه البلبلة محاولاً التقويم والتثقيف، فكانت له آراء واقتراحات و “فتاوى” سبق فيها كثيرين ممن عادوا إلى استعارتها منه ولم يشيروا إليه كصاحب فضل وسبق. فالعلايلي كان أول مَن اقترح إنشاء برادات ضخمة تُنقل إليها الأضاحي لفورها، وتتصل بها معامل للتعليب، ويرصد ريعها ومردودها للفقراء والبائسين. فكان أن وقف في وجهه كثيرون من ذوي العقول الراكدة التي تشرنقت بخيوط الماضي الكالح، ولسان حالهم يردد: مَن كانوا قبلكم أعلم منكم. وفي مابعد صارت هذه الفكرة مقبولة ومطبقة في المملكة العربية السعودية. وهو أول مَن دعا إلى إثبات الأهلة بالطرائق العلمية الفلكية، أي بالإبصار العقلي والعلمي، بحيث يمكن تجاوز الخلافات الناشئة عن الرؤية بالعين، فسبق بذلك السيد محمد حسين فضل الله بأعوام طويلة. وكان من أوائل مَن قال، وربما سبقه الشيخ محمود شلتوت، إن التعامل البنكي ليس من باب الربويات، وأن الفائدة “ليست حراماً فهي من باب القراض” (ص66). وكان شيخ الأزهر محمود شلتوت أفتى بأن الفائدة التي يدفعها صندوق توفير البريد للمودعين لديه هي حلال ولا حرمة فيها. وكثيراً ما دعا العلايلي إلى تقديم المصلحة على النص؛ فالمصلحة عنده واجبة التقدم على الوسائل، إذ من المحال اليوم، مثلاً، أن يُقسم الفيء والأنفال والغنائم والنساء والذراري بين المحاربين، ولأن يُتخذ الأسرى عبيداً عند المتغلب، وأن تُفرض الجزية على أهل الذمة. وقد شاهدنا عقابيل تطبيق ذلك في ما فعلته داعش والنصرة بأهل العراق والشام.

الجرأة في الاختلاف

على أن أروع الأفكار وأكثرها جرأة هي ما انطوت عليه صفحات كتابه “أين الخطأ؟” الذي صدر أول مرة في سنة 1978 فسُحب من الأسواق، ثم أصدرته دار الجديد في بيروت في سنة 1992. ففي هذا الكتاب خالف العلامة العلايلي كثيراً من معلوم الفقه، ولا سيما ما هو مكرور بقوة التقليد، وما هو شائع بقوة التلقين. وفي ما يلي أربعة آراء جريئة جاء بها الشيخ عبد الله العلايلي، ولم يتجرأ أحد على مناقشته فيها إلا مَن أعيته مداركه القليلة فلجأ إلى الشتم والسب.

1- حد السرقة: يرفض العلايلي قطع يد السارق لأن ذلك يجعل المجتمع “مجموعة مشوهين: هذا مقطوع اليد، والآخر الرجل، والآخر مفقوء العين أو مصلوم الأذن أو مجدوع الأنف” (ص 76). وهو يرى “أن قطع يد السارق حد لا يتفق مع روح القرآن الذي جعل القِصاص صيانة للحياة وإشاعة للأمن العام. فالعقوبات ليست مقصودة بأعيانها حرفياً بل بغاياتها”. وعلى قاعدة الحديث القائل “لِأن يخطىء الإمام في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة”، يدعو العلايلي إلى عدم الأخذ بعين هذا الحد بتاتاً، وفي هذا جرأة لا مثيل لها؛ فقطع يد السارق يعني لديه منعه من السرقة بالسعي لتوفير العمل وطرائق الكسب الشريفة حتى يقلع السارق عن السرقة على نحو القول: “نقطع رجل فلان عن البيت” أي نمنعه. وهكذا تصبح عبارة قطع يد السارق محمولة على معنى المنع من السرقة وليس بترها. ثم إن السرقة في هذا العصر تشعبت ضروبها وفنونها وصارت ذات مواصفات بالغة التعقيد كالسطو على المعلومات والأفكار والأسرار العلمية والصناعية وما لا يمكن قياسه على المعنى الشائع القديم للسرقة.

2- الرجم: يجهر العلامة العلايلي، بلسان عربي فصيح، بأن “لا رجم في الاسلام”. وهو يرفض قطعاًحد الرجم على الزاني والزانية المحصنين. والمعلوم والمتواتر والشائع والسائد والمعلوم أن حد الزاني والزانية إذا كانا محصنين هو الرجم حتى الموت. فالإمام علي بن أبي طالب جلد سُراحة مئة جلدة ثم رجمها بعد جلدها وقال في ذلك: “جلدتها بكتاب الله عز وجل، ورجمتها بسنة رسوله”، لكأن القرآن يقول بالجلد والسنة بالرجم. أما العلايلي فهو يبني معماره النظري على الشريعة لا على ما خالف الشريعة حتى لو كان من السنة.

3- زواج المسلمة من كتابي: درج الفقهاء، بإجماع، على القول بعدم حلّية الزواج بين كتابي ومسلمة. أما العلايلي فقد خالف ذلك فقال إن هذا الإجماع ليس لديه دليل قطعي. والإجماع المتأخر بلا دليل قطعي، كما يعرف الفقهاء، لا تقوم قوائمه أبداً. ولهذا رأى العلايلي، بجرأة ما بعدها جرأة، أن المسلمة يحل لها أن تتزوج كتابياً (مسيحياً أو يهودياً أو مجوسياً أو مَن كان في حكمهم).

4- التشخيص: المشهور أن التصوير والتمثيل (أي صنع التماثيل) حرام في الاسلام. وتمادى بعض الفقهاء فأدرج التشخيص أيضاً (أي التمثيل السينمائي) في باب المحرمات، وكذلك الغناء الذي يعتبره كثيرون مزمار الشيطان، فضلاً عن المعازف والملاهي كلها بما في ذلك الشطرنج. أما العلايلي فيبيح ذلك صراحة، وينتقد التحرج من التشخيص، ويأخذ على البعض كالأزهر منعهم ظهور الصحابة والملائكة في أفلام السينما (فيلم “الرسالة” مثلاً). حتى إنه لا يتحرج من وصف الملاك جبريل بأنه كان “يتشبه ويتشخص بصور شتى من الناس مثل دحية الكلبي”، فهو في هذه الحال “أقدم ممثل مشخِّص في فيلم نبوي”.

كان هذا بعض من قدح العلايلي المعلى، وبعض أجرأ ما فاه به الحكماء والعقلاء والفقهاء في مئة السنة الأخيرة. ولو توهمنا أن في الإمكان الأخذ بهذه الآراء وإجرائها جريان الفعل في مجتمعاتنا العربية اليوم لكان من شأنها أن تقوض دعائم كثيرة قام عليها الفقه الراكد، وأن تبني أسساً أكثر رسوخاً ومتانة للتشريع المعاصر.

صقر أبو فخر

Ayna alkhata

Related posts