كركدن، مجلة ثقافية ، سياسية، ناقدة ، مستقلة // للاتصال بنا عبر : karkadan.info@gmail.com

خواطر قبيل القمة الروسية الأمريكية في جنيف

سوريا بعد الإنزياح عن صدارة المشهد

الدكتور هيثم مناع

في الذكرى العاشرة لانطلاقة الثورة السورية، عاد الإعلام الدولي والمختصين بالمنطقة وسوريا برهة من الزمن إلى صدارة الأحداث. لم يستثمر السياسيون والمثقفون السوريون هذه الفرصة واكتفوا بالراحة النفسية لأن بعض وسائل الإعلام قد تذكرت أنهم على قيد الحياة، ووجهت لهم بعض الأسئلة حول واقع ومستقبل سوريا بلدا وشعبا. والمشكلة أن “النسيان العام” السائد للقضية السورية، يحدث قبل خروج السوريين، من مستنقع الطغيان والتجزئة والتهجير والفاقة وعبثية السلاح وتعميم الفساد ونهب الأرزاق والتواجد العسكري الخارجي، فلا يوجد مقترحات قيد الدرس أو حلول قيد التنفيذ، والفارق بين سوريا والحالة الصومالية، توافق غير معلن، بين دول إقليمية ودولية، على تقاسم مناطق نفوذ وسيطرة، بانتظار صفقة شاملة لا تلوح معالمها في الأفق.

السوريون منذ سنوات ضحية اختزال الأمريكي للملف السوري بالعقوبات لخنق النظام والسيطرة على حقول النفط ودعم قسد للإمساك بملف بقايا داعش حتى لا يفلت منه مصير قرابة 60 ألف معتقل ومعتقلة من كافة دول العالم. الفرنسي غارق في مشاكل داخلية واقتصادية لا تسمح له بالتدخل، ويكتفي بالتنسيق مع قسد في قضية “الجهاديين الفرنسيين المعتقلين في غوانتانامو الجزيرة السورية” كما كتبت مؤخرا صحيفة الفيغارو، البريطاني عمّم بريكست على الملف السوري ويجتمع مع اللجنة المصغرة رفع عتب، الألماني الذي تحمل العبء الأكبر من اللاجئين السوريين في أوربة، يعتبر بأنه دفع كفارة مشروع “أصدقاء الشعب السوري” ويسدد فاتورة مالية جيدة للملف السوري وهذا يكفي. أما الدول العربية فقصة أخرى.

بقيت دول ثلاث تتعامل مع الملف بقدر عال من الاهتمام والمتابعة بل والتدخل. ولا فرق إن أسمينا هذه الدول دول احتلال أو تدخل أو وصاية. لأنها تتصرف وفق مبدأ “الانتداب” بدون تفويض من “عصبة أمم” انقرضت قبيل الحرب العالمية الثانية، أو أمم متحدة انتصر فيها دائما، كما يقول جيمس بول “الذئاب على الفراخ”.  فما هو حال الدول الثلاث؟

حكومات أردوغان، التي خاضت مع الإسلاميين(إخوان وجهاديين) في مشروع إسقاط الدولة والنظام، وكانت النتيجة العملية، ليس فقط عبور 120 ألف مقاتل أجنبي الحدود السورية، ولكن أيضا، أكبر عملية لجوء بشرية إلى الأراضي التركية منذ قيام جمهورية أتاتورك، وأهم عمليات عسكرية واسعة داخل الشمال السوري وخارج تركيا منذ الحرب القبرصية.

“الحرس الثوري” الذي يحكم عمليا إيران ويحدد طبيعة علاقاتها مع جيرانها، على الأقل منذ نهاية رئاسة الدكتور محمد خاتمي. وهو يعتبر نفسه قوة إقليمية مسلحة بلا حدود، ويعتبر أي تغيير في السلطة في دمشق إغلاقا نهائيا لنافذته الوحيدة على البحر المتوسط وحصارا أسوأ من حصار غزة على حليفه العضوي “حزب الله”. لذا سلح ودرب وانفق المليارات على ميليشيات مذهبية امتدت من هازار أفغانستان إلى جنوب لبنان.. نظّم دورات عسكرية للحوثيين على الأراضي السورية، يسيطر على مناطق كاملة في الميادين والغوطة والقلمون وغيرها، ويقوم بتجنيس أعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب الذين جلبهم، ويقوم بعملية شراء العقارات في المناطق التي يعتبرها مناطق إقامة دائمة لمجموعاته.

أخيرا وليس آخرا، الفدرالية الروسية التي قررت قبل ست سنوات التدخل العسكري المباشر وإقامة قواعد عسكرية دائمة في سوريا وعقد صفقات كبيرة تتعلق بالثروة المنجمية السورية. وبعد تقديمه “لهاية” اللجنة الدستورية ونهاية موضوع المفاوضات، لديه المتسع من الوقت لترتيب الأمور “على مهل”.

أي أن هذه البلدان الثلاثة، لكونها “متورطة” إذا استعملنا التعبير “المؤدب” لدبلوماسي روسي سابق، محكوم عليها بمتابعة القضية السورية، ليس حبا بالسوريين، ولكن لكونها بَنَت مفهومها للأمن القومي والإقليمي منذ احتداد الأزمة الأوكرانية، على أساس الاستثمار في الملف السوري. لذا ارتفعت وانخفضت درجة حرارة عشرات الدول، في حين لم يهتز لهذا الثلاثي جفن، وما زال يسعى “لترتيب وضعه ووضع حلفائه، لأن في وضع كل منها يعيش حالة اضطراب”.

كانت حقبة الرئيس الأمريكي السابق ترامب، قائمة على فكرة تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الخارج عموما واستبدال “الردع العسكري” بردع “العقوبات الاقتصادية”. ولعل “عبقرينو” الملف السوري في عهده، جيمس جيفري، قد ساهم، بوعي أو بغباء العنجهية، في تقليص الدور الأمريكي في الملف السوري، حين راهن على ثلاثية افتراضية صدّقه فيها حزب السذج والتبع: السيطرة على منابع النفط شرقي الفرات، تكرار التجربة الأمريكية في العقوبات على كوبا عبر قانون قيصر، واستمرارية حالة الاضطراب والنزاع المسلح لإغراق القوات الروسية في مستنقع أفغاني جديد.

تأتي القمة الروسية الأمريكية في جنيف بعد قمة السبع وقمة الناتو، وفي كلا الاجتماعين لم يطرح الملف السوري بشكل يتناسب مع خطورته، ليس فقط على مستوى السوريين والمنطقة، وإنما ودون مبالغة، على الأمن الدولي في العقد الثالث من هذا القرن. فإن كان بإمكان الجماعة الدولية محاصرة المخاطر الخارجية للملف الصومالي واتباع سياسة “فخّار يكسر بعضه”، فالقضية السورية تختلف تماما، وهي في تماس مباشر مع الملفات الليبية واليمنية والعراقية، ولم تنته بؤر الجهاديين التكفيريين فيها، وفيها الاستنفار الكمي والنوعي الأكبر للميليشيات الموالية للحرس الثوري الإيراني في العالم إلخ.

كل عناصر التفجير الإقليمي موجودة على الأرض السورية: قرابة 9 ملايين سوري يتواجدون في مناطق سيطرة هتش وقسد وجيش “أبو عمشة وأبو طمشة”، هذا يتحدث عن ثورة روج آفا على نهج القائد أوجلان في وقت ابتلعت القوات التركية فيه عفرين ومدت اسفينها بين كوباني والجزيرة، وصارت مهمة قسد حراسة السجون والنفط بالوكالة، واعتقال من يعترض من أهالي الرقة والحسكة وغيرهما بالأصالة. وذاك يتغنى بإمارة على نهج طالبان الذين هزموا الأمريكان، وثالث يتغنى بأميته التي يرى فيها تيمنا بالنبي الأمي سيد الأنام. سألني أحد المناضلين قبل إسبوعين عن وسيلة للخروج من “المحرر” لأوربة، قلت له: كيف تخرج مما تسميه “المحرر”، قال: لا أريد الموت مجانا… في اسطنبول يعيش “الاعتلاف” حالة احتضار تتآكلها الديدان. أما المشكلة التركية مع أكثر من 3 ملايين لاجئ سوري فتتفاقم لدرجة أوصلت أحد قياديي “حزب العدالة والتنمية” للقول بصراحة غير معهودة: “نرفض أن يكون اللاجئون السوريون سببا في خسارتنا البرلمان والرئاسة، المعارضة تستثمر في قضية اللاجئين، وقد سمعت الأحد الماضي جملة تدغدغ مشاعر القوميين الأتراك: “لم نأخذ حقنا في إقليم هاتاي في 1939، لتكون أغلبية سكانه بعد ثمانين عاما من العرب السوريين”.

في مناطق سيطرة ما تبقى من الجيش السوري بنت المخابرات السورية مناطق تشبه الغيتو في القرون الوسطى، الخروج بترخيص والعودة بترخيص آخر، و”الأمن يسود” بسياسة الاغتيالات والاعتقالات. سوريا اليوم، مع الصين وإسرائيل، فيها أكبر عدد من الأسرى والمعتقلين في العالم. وأعلى نسبة بطالة بعد فلسطين المحتلة، نسبة التعليم بعد أن كانت الأعلى في جامعة الدول العربية في 1970، هي اليوم الأدنى مع اليمن. هجرة الكوادر والأطباء القسرية والطوعية خلقت نزيفا مهلكا لمستوى الكوادر المحلية العالية. وما زال “جحش غصم” يتحدث عن أعلى مستويات المعيشة والازدهار في المنطقة ؟؟؟

يمكن للرئيسين بوتين وبايدن أن يضعا رأسيهما في الرمال، ويؤجلان، أو يكتفيان بملامسة عامة للملف السوري يذكران فيها بأن البلدين متوافقين على تطبيق القرار 2254 ..

ولكن ليس بإمكانهما البتة، إخماد كل صهاريج المتفجرات في الملف السوري بالإكتفاء بإعطاء هذا الملف 3% من الموضوعات قيد البحث بينهما. فقد ثبت بالملموس لإدارة البلدين أن الترقيع أفضل وسيلة لتعقيد الأمور وإزمان الدمار للبلاد والعباد، وأن غياب استراتيجية عمل مشتركة سيوصلنا بالضرورة إلى كوارث تنال الجميع، بما في ذلك أصدقاء بايدن الإسرائيليين وحليف الروس في القصر الجمهوري بدمشق.

عن موقع سيريانوك

خواطر قبيل القمة الروسية الأمريكية في جنيف

Related posts